هولاكو

محمد فضل يرسم ليكون بقلم محمود أبو هشهش
لم أر دهشة أو غبطة ترتسم على وجوه الناس كتلك التي راْيتها على وجوه الجمهور وهم يقفون مشدوهين أمام لوحات محمد فضل الفنية في معرضة "هولاكو" الذي استضافته مؤسسة عبد المحسن القطان برام الله في شهر نيسان الماضي. لم يتوقفوا ليساْلوا عن المعنى بقدر ما استسلموا للذة المشاهدة وحدها, وكأنهم وجدوا أنفسهم مأخوذين بالجمال دون أن يجهدوا أنفسهم بالبحث عنة بخيط وإبرة كما يقولون - أو بالتساؤل عن مبررات أي من الأعمال المعروضة حينها, فكانت كل لوحة تملك مبررات وجودها بقوة في صالة العرض تلك. وكأنها شكلت لهم فسحة جميلة للغبطة والبهجة والاحتفاء باللون, بعد أن أثقلوا كثيرا بمشاهدة أعمال كثيرة, التي وان كانت تمتلك جماليتها, فإنها كانت أما تستعصي على الكثير منهم إلا من امتلك الأدوات الكثيرة ليجد أسباب الاحتفاء باللوحة أو بالعمل الفني بعد أن يعمل فيه عقله وقلبه, وأما تستغرق في الرمزية المفضوحة. وجاء تبرير محمد فضل واضحا وبسيطا حينما قال "لقد جلبت لكم اللون". صدمتني هذه العبارة حينها, على الرغم مما فيها من نزعة تبشيرية, لما مثلته من بساطة وعمق في آن. لاْن استقبال الجمهور برام الله لأعمال محمد فضل بتلك الاحتفائية كان دليلا على تعطشهم لمثل تلك الغبطة المتاحة التي افتقروا إليها فيما يعرض أمامهم من أعمال فنية مثقلة بالهموم اليومية والسياسية, وهم المثقلون أصلا بما راكمته السنوات الكثيرة, وبخاصة الخمس الأخيرة منها من هموم وغبار وأسئلة.

لعل أكثر ما يميز أعمال الفنان محمد فضل هو طاقة الفعل اللونية تلك التي تكتنزها لوحاته, طاقة تجد تمثيلاتها في التفاصيل التي تقترب من حد المتاهة الأخاذة لما يحتشد بها من مساحات وخطوط ونمنمات, وكأنها تبدو لا نهائية, لكنها ليست بالمتاهة المطلقة, وإنما المنطلقة من مركز ثقل على سطح اللوحة, وعمودية في عمقها وفي التدرجات اللونية والمساحة المتجاورة. وأول إحساس يصيب المتلقي هو الدهشة الناتجة عن الشعور بحجم الجهد والطاقة التي استثمرهما الفنان في هندسة لوحته دون أن يبدو ذلك ترويضا لمخيلته الخصبة الصادمة, كل ذلك ليس في سبيل خلق الجميل فحسب, بل الرائع كذلك.

ومحمد هذا الفنان الذي لم يطاْ مقعدا في كلية فنون يوما ما, الأمر الذي جعله يمتلك حرية غير مهجنة, يصر في كل مرة يخوض بها غمار عمل فني جديد على أن يثبت تجليه واستغراقه الوجداني في انتمائه الأصيل لهذا الحقل الإبداعي, وكاْنه يطلق صرخة وجود, بل واتحاد مع ماهيته المبدعة, والتي تحاول ضرورات العيش ازاحته عنها, وكاْنه, أي الفنان, في تحد دائم لإثبات هويته الفنية, حتى تبدو كل لوحة من لوحاته الكثيرة وكأنها صرخة للانتباه إلى الطاقة التي تسكن هذا الجسد القليل الذي تحاول أن تسرقه الحياة بانشغالاتها الإسمنتية إلى اتجاه أخر, فتنقل لوحاته الإحساس بعمق استغراق الفنان في ذاته التي ترسم, وتناسيه لتلك الذات الأخرى التي تحاول الحياة هدرها في العمل الشاق الذي تملية ضرورة العيش. وتغدو الممارسة الفنية في حالته, شكلا من أشكال المقاومة والصراع على الهوية الشخصية والوجودية, وتصبح اللوحة ذاتها شاهدا صارخا على تلك المقاومة, وامتحانا للمساحة المتبقية لدى الفرد "اليتيم" من سلطة المؤسسة الأكاديمية, وغيرها من المؤسسات بما تنتجه من قيم ومفاهيم وذائقة, وقدرة هذا الفرد على ممارسة وجوده الإبداعي في تلك المساحة بغض النظر عن علاقته بذلك البناء المؤسسي المحكم.

كاْن محمد فضل حين ينخرط بالرسم تتملكه الأنا المبدعة تماما, لتعلن بشكل صارخ عن تمردها الجمالي, وعلى تفردها بطاقته, وكاْن يدي هذا الفنان لا تعرفان سوى شد اللوحات واللعب بالفرشاة والألوان على سطحها, وكأنهما لم تقضيا نهارهما في عمل مضن وشاق من نوع آخر كاف لاْن يستنفذ طاقة أي مبدع, وكاْن محمد بذلك يؤكد في كل مرة على اْن مخزونة الإبداعي هائل, ولا تستطيع الحياة بمتطلباتها اليومية المكرورة والمملة مقاومته اْو النيل منة, بل انه على العكس من ذلك يؤكد في كل مرة قدرته العارمة على الوجود, وكاْن " اْرسم تكن" هو شعاره الذي يحمله, كلما حاولت الانشغالات اليومية اْزاحته من حيز الوجود الإنساني المبدع الذي يريداْن يكون فيه بقوة, ويستحق أن يكون فيه بجدارة.

* من كتالوج "هولاكو" 2005

الموسيقى حصرا .. بقلم تينا شيرويل
محمد فضل فنان فلسطيني شاب من حيفا, لا يتمتع بأي تدريب رسمي في مجال الفن ولكنة بدا بإنتاج أعمال فنية منذ نعومة أظافرة . وفي معرضة الذي عقد مؤخرا في مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله قدم محمد سلسلة جديدة من رسوماته بعنوان هولاكو. وقد استلهم محمد أعماله من الشخصية التاريخية للقائد المنغولي هولاكو الذي غزا بغداد في القرن الثالث عشر بعد الميلاد وقام بتدمير كل الإرث الحضاري والثقافي والعلمي للمدينة. ولعل التاريخ يعيد نفسه بأشكال متعددة فمدينة بغداد العتيقة تعرضت للعديد من الغزوات والحروب على مر الأزمان. ولكن بالنسبة للفنان فان الموسيقى وليس العنف هي موضوع عملة. فالموسيقى في مثل هذا السياق تعد شكلا من أشكال المقاومة, شيء يمكنه عبور وتخطي الحدود ويتم توارثه من جيل إلى جيل بشكل يحافظ ويغني الهوية الثقافية فتحافظ على بقائها ويتم إحياؤها من خلال مجموعة كبيرة من الظروف.

في عملة يعبر فضل تماما عن فرح وغبطة وحيوية وإصرار الثقافية والموسيقى. فرسوماته تشبه قطع السجاد حيث يستخدم الفنان مجموعة صارخة من الألوان ويعمل على كل قطعة من قطع الكانفاس بشكل يزخر بالتفاصيل الدقيقة. وتذوب كافة الوجهات في الوقت الذي يبتكر فيه فضل سطحا يتميز برسومات تزينيه غنية. هذا التحول للصورة العادية يعني أن المشاهد مدعو بشكل متواصل لاستكشاف تفاصيل الرسومات التي تم حبكها مع بعضها البعض على سطح بالغ التعقيد وحافل بالعمل الدقيق. الشخصيات والحيوانات في صور فضل مرسومة باسلوبه الفريد المميز والخاص به وكأنها خارجة للتو من القصص والروايات الفوكلورية القديمة فلكل منها سماتها الخاصة وإيماتها الخاصة بشكل يذكرنا بالقصص التي سمعناها كأطفال. إذا ما تفحصنا سطح الرسومات والأشياء وملابس الشخصيات نستطيع أن نري باْن فضل يجمع بين الرموز المعاصرة والتاريخية والأشكال التخيلية في اعماله وبالتالي يحاول أن يبرز ويضع في المقدمة المغزى والأهمية التاريخية لموضوع عملة.

* من كتالوج "هولاكو" 2005